الفيض الكاشاني
117
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
مدخل الخداع في الإسرار من ميل الطبع إليه لما فيه من حفظ الجاه والمنزلة وسقوط القدر من أعين الناس ونظر الخلق إليه بعين الازدراء وإلى المعطي بعين المنعم المحسن إليه فهذا هو الداء الدفين ويستكنّ في النفس والشيطان بواسطته يظهر معاني الخير حتّى يتعلَّل بالمعاني الخمسة الَّتي ذكرناها ، ومعيار كلّ ذلك ومحكه أمر واحد وهو أن يكون تألَّمة بانكشاف أخذه للصدقة كتألَّمه بانكشاف صدقة أخذها بعض أقرانه وأمثاله ، فإنّه إن كان يبغي صيانة الناس عن الغيبة والحسد وسوء الظنّ أو يتّقي انهتاك الستر أو إعانة المعطي على الإسرار أو صيانة العلم عن الابتذال ، فكلّ ذلك ممّا يحصل بانكشاف صدقة أخيه ، فإن كان انكشاف أمره أثقل عليه من انكشاف أمر غيره فتقديره الحذر من هذه المعاني أغاليط وأباطيل من مكر الشيطان وخدعه ، فإنّ إذلال العلم محذور من حيث إنّه علم لا من حيث إنّه علم زيد أو علم عمرو ، والغيبة محذورة من حيث أنّها تعرّض لعرض مصون لا من حيث أنّها تعرّض لعرض زيد على الخصوص ومن أحسن ملاحظة مثل هذا ربما يعجز الشيطان عنه وإلا فلا يزال كثير العمل قليل الحظَّ ، وأمّا جانب الإظهار فميل الطبع إليه من حيث إنّه تطييب لقلب المعطي واستحثاث له على مثله وإظهاره عند غيره أنّه من المبالغين في الشكر حتّى يرغبوا في إكرامه وتفقّده ، وهذا داء دفين في الباطن والشيطان لا يقدر على المتديّن إلا بأن يروّج عليه هذا الخبث في معرض السنّة ، ويقول له : الشكر من السنّة والإخفاء من الرياء ويورد عليه المعاني الَّتي ذكرناها ليحمله على الإظهار وقصده الباطن ما ذكرناه ، ومعيار ذلك ومحكه أن ينظر إلى ميل نفسه إلى الشكر حيث لا ينتهي الخبر إلى المعطي ولا إلى من يرغب في عطائه وبين يدي جماعة يكرهون إظهار العطيّة ويرغبون في إخفائها وعادتهم أنّهم لا يعطون إلا من يخفى ولا يشكر ، فإن استوت هذه الأحوال عنده فليعلم أنّ باعثه هو إقامة السنّة في الشكر والتحدّث بالنعمة وإلا فهو مغرور ، ثمّ إذا علم أنّ باعثه السنّة فلا ينبغي أن يغفل عن قضاء حقّ المعطي فينظر فإن كان هو ممّن يحبّ الشكر والنشر فينبغي أن يخفى ولا يشكر لأنّ قضاء حقّه أن لا ينصره على الظلم وطلبه الشكر ظلم وإذا علم من حاله أنّه لا يحبّ الشكر ولا يقصده فعند ذلك يشكره ويظهر صدقته ، ولذلك